لم تعد مسيرة محمد صلاح مجرد رحلة لاعب مصري نجح في الوصول إلى قمة كرة القدم الأوروبية، بل أصبحت واحدة من أبرز التجارب التي تستحق الدراسة في عالم الاحتراف، بعدما تحول النجم المصري إلى أيقونة تاريخية في ليفربول، وواحد من أهم اللاعبين الذين مروا على الدوري الإنجليزي الممتاز.

لكن مع بلوغه عامه الرابع والثلاثين، وبدء مرحلة جديدة في مسيرته بعيدًا عن ملعب «أنفيلد»، يبرز سؤال مهم: هل بدأ محمد صلاح بالفعل مرحلة التراجع التي تفرضها طبيعة كرة القدم وتقدم العمر، أم أن النجم المصري لا يزال يمتلك ما يكفي لمواصلة التألق وصناعة التاريخ؟

اقرأ أيضًا: جمال عبد الحميد يحذر من شركة الكرة: الزمالك يجب أن تكون حصته أكبر من المستثمر

من قمة المجد إلى مرحلة جديدة

عندما انضم محمد صلاح إلى ليفربول في صيف 2017 قادمًا من روما الإيطالي، لم يكن كثيرون يتوقعون أن ينجح في كتابة هذا القدر من التاريخ مع النادي الإنجليزي.

لكن صلاح احتاج إلى موسم واحد فقط ليؤكد أنه صفقة استثنائية، بعدما سجل 44 هدفًا في مختلف المسابقات خلال موسمه الأول، وبدأ رحلة تحطيم الأرقام القياسية، ليصبح أحد أبرز نجوم الجيل الذهبي للريدز تحت قيادة الألماني يورجن كلوب.

وعلى مدار تسعة مواسم، خاض صلاح 441 مباراة بقميص ليفربول، سجل خلالها 257 هدفًا وصنع 123، ليترك بصمة استثنائية في تاريخ النادي، ويقوده إلى التتويج بدوري أبطال أوروبا والدوري الإنجليزي الممتاز، إلى جانب عدد من البطولات المحلية والقارية.

الأرقام ترفض فكرة التراجع المبكر

إذا كانت السنوات قد بدأت تفرض تحديات جديدة على محمد صلاح، فإن أرقامه تؤكد أن الحديث عن نهاية قدرته على التأثير لا يزال مبكرًا.

ففي موسم 2024-2025، قدم النجم المصري واحدًا من أفضل مواسمه على الإطلاق، بعدما سجل 29 هدفًا وصنع 18 في الدوري الإنجليزي الممتاز، ليقود ليفربول للتتويج باللقب، ويحصد جائزة أفضل لاعب في المسابقة.

وفي الموسم التالي 2025-2026، تراجعت أرقامه في الدوري الإنجليزي إلى 7 أهداف و7 تمريرات حاسمة خلال 27 مباراة، وهو تراجع واضح مقارنة بالموسم السابق، لكنه لا يكفي وحده للحكم على مسيرته أو اختزال أسباب التراجع في عامل السن فقط.

تجربة جديدة.. واختبار مختلف في طرابزون سبور

ومع انتقاله إلى طرابزون سبور التركي في صيف 2026، بدأت مرحلة جديدة في مسيرة صلاح، تحمل تحديًا مختلفًا بعيدًا عن الضغوط والتوقعات التي ارتبطت بوجوده في ليفربول لسنوات طويلة.

وجاءت بداية النجم المصري مع فريقه الجديد بصورة إيجابية، إذ سجل 8 أهداف وصنع 3 خلال أول 10 مباريات في الدوري التركي موسم 2026-2027، وفقًا لإحصائيات موقع أوبتا.

وتعكس هذه الأرقام قدرة صلاح على مواصلة التأثير الهجومي، رغم اختلاف طبيعة المنافسة والبيئة الكروية، كما تمنحه فرصة لإعادة تقديم نفسه في دور جديد، والاستفادة من خبراته الكبيرة في التعامل مع المباريات والمساحات الدفاعية.

هل العمر هو العائق الحقيقي أمام صلاح؟

لا يمكن تجاهل أن بلوغ الرابعة والثلاثين يفرض تحديات بدنية وفنية على أي لاعب، خصوصًا من يعتمد في أسلوبه على السرعة والانطلاق والتحركات خلف المدافعين، وهي من أبرز الأسلحة التي ميزت محمد صلاح طوال مسيرته.

لكن تطور اللاعب لا يرتبط دائمًا بالحفاظ على القدرات البدنية نفسها، فهناك جوانب أخرى يمكن أن تعوض تراجع بعض الخصائص، مثل الخبرة، والتمركز، والقراءة المبكرة لتحركات المنافسين، والقدرة على اتخاذ القرار في المساحات الضيقة.

وهنا قد يحتاج صلاح إلى تطوير بعض تفاصيل أسلوب لعبه، من خلال تقليل الاعتماد على الانطلاقات الطويلة، وزيادة حضوره داخل منطقة الجزاء، والاستفادة من خبراته في اختيار التوقيت المناسب للتحرك والتسديد.

صلاح أمام تحدي إثبات الذات من جديد

ربما لم يعد التحدي الأكبر أمام محمد صلاح هو إثبات قدرته على اللعب في أعلى المستويات، بعدما فعل ذلك لسنوات طويلة في الملاعب الأوروبية، وإنما الحفاظ على استمراريته وتقديم مستويات مؤثرة مع اختلاف الأدوار والظروف المحيطة به.

فالنجم المصري يمتلك رصيدًا كبيرًا من الإنجازات والأرقام القياسية، لكن المرحلة الحالية تضعه أمام اختبار جديد، يتمثل في قدرته على التكيف مع متطلبات كرة القدم في عمر الرابعة والثلاثين.

وفي النهاية، لا يمكن اعتبار كل موسم أقل من سابقه إعلانًا عن نهاية لاعب بحجم محمد صلاح، كما لا يمكن الاعتماد على التاريخ وحده لضمان استمرار التألق.

وبين لغة الأرقام وتحديات العمر والتجربة الجديدة في تركيا، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نشاهد الفصل الأخير من رحلة استثنائية، أم أن محمد صلاح يستعد لكتابة فصل جديد يثبت من خلاله أن النجوم الكبار لا تقاس أعمارهم بعدد السنوات، بل بما لا يزالون قادرين على تقديمه داخل الملعب؟